تثير الحملة الأخيرة التي أطلقتها السلطات العراقية ضد عشرات المشتبه بتورطهم في ملفات فساد، نقاشًا واسعًا داخل العراق وخارجه، بين من يراها خطوة غير مسبوقة في ملاحقة المتهمين بهدر المال العام، وبين من يعتبرها إجراءً محدودًا لن يغيّر جوهر الأزمة ما لم تمتد إلى الشخصيات الأكثر نفوذًا داخل المنظومة السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، رصد تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني حالة من التريث والحذر في تقييم العراقيين والمحللين لهذه الحملة، مع تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الإجراءات الجارية تمثل بداية فعلية لمعالجة الفساد، أم أنها ستبقى في إطار الضغط الإعلامي والسياسي من دون الوصول إلى “الرؤوس الكبيرة”.
شكوك عراقية بشأن جدية الحملة ضد الفساد
وبحسب التقرير البريطاني، فإن كثيرًا من العراقيين لا يزالون غير مقتنعين بأن بعض أقوى الشخصيات في البلاد ستُحاسب فعليًا، رغم الضجة الكبيرة التي رافقت حملة التوقيفات الأخيرة، والتي تصدرت شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي، مع تداول واسع لمشاهد المداهمات التي شبّهها البعض بلقطات من أفلام هوليوود.
وأشار التقرير إلى أن ما جرى مثّل بالنسبة إلى شريحة من العراقيين استعراضًا غير مسبوق للقوة ضد طبقة سياسية متهمة منذ سنوات باستغلال مؤسسات الدولة للإثراء الشخصي على حساب المواطنين والخدمات العامة.
ونقل التقرير عن مواطن من البصرة يُدعى محمد بشير قوله إن المشاهد التي ظهرت خلال المداهمات كانت “صادمة”، لافتًا إلى أن العثور على أموال ومقتنيات ثمينة داخل ممتلكات بعض السياسيين أثار غضبًا شعبيًا واسعًا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الحكم على الحملة يجب أن يرتبط بقدرتها على الوصول إلى الشخصيات الأكثر نفوذًا، لا الاكتفاء بمستويات أقل في هرم السلطة.
هل تقترب الحملة من كبار المتنفذين في العراق؟
الأسئلة الأبرز التي يطرحها الشارع العراقي لا تتعلق فقط بعدد الموقوفين أو حجم الملفات التي كُشف عنها، بل بمدى استعداد الحكومة لملاحقة مسؤولين كبار ينتمون إلى مراكز قوى سياسية وحزبية مؤثرة.
ووفق التقرير، فإن كثيرًا من العراقيين ينظرون إلى الحملة الحالية من زاوية تجارب سابقة شهدتها البلاد، حين أُعلنت إجراءات لمكافحة الفساد ثم انتهت من دون تغييرات حقيقية في بنية النظام الذي يُتهم بحماية الفاسدين أو إعادة تدويرهم داخل مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار، نقل التقرير عن مواطنين من بغداد والبصرة تشكيكهم في جدية الحملة إذا لم تؤدِ إلى سجن شخصيات نافذة، معتبرين أن أي عملية لا تصل إلى “الأسماء الثقيلة” قد تتحول إلى حدث إعلامي مؤقت، من دون أن تترك أثرًا ملموسًا على منظومة الفساد التي أرهقت العراقيين لسنوات.
محللون: التوقيفات غير كافية من دون إصلاح هيكلي
لم تقتصر الشكوك على الشارع، بل امتدت أيضًا إلى عدد من الباحثين والمحللين الذين رأوا أن الحملة، رغم أهميتها من حيث الشكل، لن تكون فعالة ما لم تُستكمل بإصلاحات مؤسساتية وقضائية عميقة.
ونقل التقرير عن الباحث في معهد “تشاتهام هاوس” البريطاني ريناد منصور قوله إن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يسعى من خلال هذه الحملة إلى تسويق إدارته داخليًا وخارجيًا، ليس فقط أمام الجمهور العراقي، بل أيضًا أمام الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، في ظل ضغوط سياسية وإقليمية متزايدة.
وبحسب منصور، فإن الحملة تبدو أقرب إلى استهداف مسؤولين من الرتب المتوسطة، أي أولئك الذين يمكن ملاحقتهم بسهولة أكبر، في حين تبقى الشخصيات الأشد نفوذًا بعيدة عن المساءلة، ما يحدّ من قدرة الحملة على معالجة الأسباب البنيوية للفساد داخل النظام السياسي العراقي.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود أفراد متهمين بالفساد، بل ببنية سياسية كاملة تسمح بإعادة إنتاجه، ما يعني أن التوقيفات وحدها، مهما بدت كبيرة، لن تكون كافية إذا لم تترافق مع إصلاحات قانونية وإدارية وهيكلية شاملة.
حملة الفساد ورسائل الداخل والخارج
ويشير التقرير إلى أن توقيت الحملة ليس بعيدًا عن السياق السياسي الإقليمي والدولي، إذ جاءت قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن، ما دفع بعض المراقبين إلى الربط بين الحملة وبين محاولة بغداد إرسال رسائل مزدوجة؛ الأولى إلى الشارع العراقي الغاضب من الفساد، والثانية إلى الولايات المتحدة بأن الحكومة جادة في ملاحقة مسؤولين مرتبطين بأحزاب وفصائل نافذة.
هذا البعد السياسي يمنح الحملة أهمية إضافية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تساؤلات حول دوافعها الحقيقية: هل الهدف هو بناء مسار طويل الأمد لمكافحة الفساد، أم تقديم صورة سياسية جديدة عن الحكومة في لحظة إقليمية حساسة؟
“الأسماك الصغيرة” أولًا..
وماذا عن الملفات الأكبر؟
من بين أبرز الانتقادات التي وردت في التقرير، ما يتعلق بكون الحملة ركزت حتى الآن على شخصيات ومسؤولين من مستويات متوسطة، بينما بقيت الشخصيات الأكثر تأثيرًا، بما فيها المتصلة بمراكز القوى المسلحة والسياسية، خارج دائرة الاستهداف المباشر.
ونقل التقرير عن المحلل السياسي رعد هاشم قوله إن الحملة تبدو حتى الآن وكأنها “صيد للأسماك الصغيرة”، في وقت يترقب فيه العراقيون ما إذا كانت ستصل إلى الأهداف الرئيسية في ملفات الفساد.
واعتبر أن ما جرى يُعد لافتًا وفق المعايير العراقية، لكنه يظل في سياق دولي أوسع مجرد خطوة روتينية، لأن ملاحقة الفساد في أي دولة لا تُقاس بعدد المداهمات فقط، بل بمدى القدرة على محاسبة المتنفذين واستعادة الأموال المنهوبة ومنع تكرار الانتهاكات.
بين الترحيب الشعبي والحذر السياسي
ورغم هذه التحفظات، لا يخفي بعض المتابعين أن الحملة تحمل دلالات سياسية مهمة، حتى لو لم تكن كافية وحدها.
فالنائب السابق سركوت شمس الدين رأى، وفق التقرير، أن الخطوة تنسجم مع خطاب مكافحة الفساد الذي تتبناه قوى سياسية عراقية منذ سنوات، ويمكن أن تسهم في خلق زخم سياسي قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة.
وأشار شمس الدين إلى أن أي تحرك من هذا النوع يتطلب استعدادًا سياسيًا للمخاطرة، خصوصًا إذا كانت الحملة ستقترب من شبكات الفساد الأكبر التي استفادت طويلًا من ضعف المساءلة وغياب المحاسبة.
لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة عدم المبالغة في تصوير المداهمات باعتبارها تحولًا جذريًا، واصفًا ما حدث بأنه لا يزال في حدود “خدش على السطح” مقارنة بحجم المشكلة الحقيقي.
الفساد في العراق..
اختبار مفتوح أمام الحكومة
في المحصلة، تبدو الحملة العراقية ضد الفساد أمام اختبار بالغ الحساسية.
فهي من جهة منحت الحكومة فرصة لإظهار قدر من الحزم في التعامل مع ملفات طالما شكلت عبئًا على الدولة والمجتمع، لكنها من جهة أخرى وضعتها أمام استحقاق أكبر: إثبات أن ما يجري ليس مجرد موجة مؤقتة، بل بداية مسار قادر على الوصول إلى المستويات العليا في منظومة الفساد.
وبين الترحيب الحذر والشكوك المتصاعدة، يبقى السؤال الأهم في العراق اليوم: هل تتحول هذه الحملة إلى نقطة انطلاق لمحاسبة حقيقية وإصلاح أعمق، أم تنتهي مثل حملات سابقة تركت الضجيج في الإعلام، وأبقت البنية نفسها على حالها؟

