بغداد — باتت أزمة السكن وارتفاع أسعار العقارات المتزايد في العراق تشكل عائقاً هيكلياً يعطل قدرة شريحة واسعة من الموظفين وأبناء الطبقة الوسطى عن امتلاك منزل، في ظل توسع الفجوة بين مستويات الدخول الكلية وكلفة التملك العقاري، بحسب قراءة تحليلية للمشهد الاقتصادي والمالي المحلي.
وتكشف القراءة المالية لمستويات الرواتب الحكومية عن تفاوت واضح بين الشرائح الوظيفية؛ إذ يعتمد الدخل الكلي للموظف على الراتب الاسمي مضافاً إليه جملة من المخصصات، كالمخصصات الزوجية، الشهادة، الخطورة، ومخصصات الوزارة الخاصة.
ويتقاضى حديثو التعيين في الدرجات الدنيا والمتوسطة رواتب كلية تتراوح بين 450 ألفاً و700 ألف دينار شهرياً، وهو ما يعني بحساب تقديري أنه لو استطاع الموظف ادخار نحو 300 ألف دينار شهرياً، فإن مجموع مدخراته النظرية خلال 25 عاماً لن يتجاوز 90 مليون دينار، بشرط استمرار قدرته على الادخار بذات المعدل طوال تلك العقود.
وفي الشريحة المتوسطة وأصحاب الخبرة، ولا سيما الدرجات من السادسة إلى الرابعة، تتراوح الرواتب الكلية بين 800 ألف و1.3 مليون دينار شهرياً.
وفي حال ادخار 500 ألف دينار شهرياً، ينتهي المطاف بالموظف إلى جمع نحو 150 مليون دينار بعد ربع قرن.
أما الشريحة الأعلى التي تضم الكوادر المتقدمة وموظفي الوزارات ذات المخصصات المرتفعة كـ النفط والخارجية والكهرباء، فتتجاوز رواتبهم 1.8 مليون دينار وقد تصل إلى 3 ملايين دينار، مما يتيح إمكانية ادخار نظرية تصل إلى 300 مليون دينار خلال الفاصل الزمني ذاته.
وتؤكد هذه الحسابات الاقتصاديّة أن الفارق في مستوى الدخل ينعكس مباشرة على القدرة النظرية لتكوين المدخرات طويلة الأجل، إلا أن التحدي المشترك الذي يواجه كافة الشرائح يتمثل في استهلاك الجزء الأكبر من الراتب لتغطية النفقات اليومية والالتزامات الأسرية، ما يجعل الادخار الفعلي أقل بكثير من هذه الأرقام المفترضة.
ولا يُعد افتراض الادخار لربع قرن مؤشراً على قدرة الموظف الفعلية على الشراء، بل هو إطار تحليلي يبين حجم الفجوة عند مقارنة تلك المدخرات بكلفة شراء منزل أو قطعة أرض حتى في أطراف المدن.
ولا تقف الأزمة عند حدود مستويات الأجور، بل تتعداها إلى العلاقة المعقدة بين بطء نمو الرواتب والارتفاع المتسارع في أسعار الأراضي والوحدات السكنية ومواد البناء، إلى جانب محدودية خيارات التمويل العقاري طويل الأجل.
وتستدعي معالجة هذه الفجوة الهيكلية حزمة متكاملة من السياسات الاقتصادية، تشمل توفير أراضٍ مخدومة، وزيادة المعروض السكني، وتطوير مدن جديدة، وتوسيع برامج الإقراض طويل الأجل لتستهدف أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة، تفادياً لتحول الملكية العقارية إلى خيار مستحيل يعمق الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

