رغم وجود أكثر من 340 حزباً سياسياً مجازاً في العراق، فإن المشهد السياسي الفعلي يبدو أكثر تركيزاً، إذ تنحصر القدرة على التأثير وصناعة القرار في نحو 10 إلى 15 حزباً وتحالفاً رئيسياً، فيما ترتبط نسبة كبيرة من القوى النافذة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأجنحة وفصائل مسلحة أو تشكيلات أمنية ذات صلات سياسية.
ومنذ عام 2003، شهد العراق تحولاً كبيراً من نظام الحزب الواحد إلى التعددية السياسية، مع ظهور مئات الأحزاب والحركات التي توزعت بين قوى إسلامية وقومية ومدنية وكوردية وتركمانية ومسيحية.
إلا أن كثرة الأحزاب لم تنعكس بالضرورة على حجم التمثيل السياسي، إذ بقيت الغالبية محدودة التأثير خارج البرلمان ومراكز صناعة القرار.
وقبل سقوط نظام صدام حسين في نيسان/أبريل 2003، كان "حزب البعث" يهيمن على الحياة السياسية في البلاد، قبل أن يفتح التغيير السياسي الباب أمام تشكيل أحزاب وحركات جديدة، وصولاً إلى دستور عام 2005 الذي أرسى نظاماً ديمقراطياً تعددياً يقوم على التداول السلمي للسلطة.
إلا أن التحول السياسي تزامن مع بروز تشكيلات مسلحة مرتبطة ببعض القوى السياسية، وهو ملف ظل حاضراً في النقاش العراقي طوال السنوات الماضية، خصوصاً مع تأكيد الدستور على حظر تشكيل ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة.
ويرى الخبير القانوني فيصل ريكان أن الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى التعددية أوجد بيئة سياسية سمحت بظهور أعداد كبيرة من الأحزاب والحركات، لكن السنوات اللاحقة شهدت أيضاً بروز تشكيلات مسلحة ارتبط بعضها بقوى سياسية.
ويشير ريكان إلى أن الدستور العراقي وضع قيوداً واضحة على تشكيل الميليشيات خارج القوات المسلحة، فيما حاولت الدولة في مراحل لاحقة إدخال عدد من الفصائل ضمن مؤسساتها الرسمية، بهدف تعزيز مبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
وتنص المادة التاسعة من الدستور العراقي على خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية وعدم تدخلها في السياسة، كما تحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة.
كذلك وضع قانون الأحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015 قيوداً على تأسيس أو عمل الأحزاب على أساس عسكري أو شبه عسكري، وأتاح اللجوء إلى القضاء في حالات تتعلق بممارسة نشاط عسكري أو شبه عسكري أو استخدام العنف في النشاط السياسي.
لكن المشكلة، وفق باحثين، لم تعد مرتبطة فقط بوجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية، بل بتداخل النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي، وما يمكن أن ينتج عنه من تأثير في القرار الحكومي.
ويصف الباحث في الشؤون السياسية مهند الجنابي الحالة العراقية بأنها "معضلة في النظام السياسي"، مشيراً إلى أن جذورها تعود إلى مراحل مبكرة بعد 2003، وصولاً إلى انتخابات عام 2018 التي شهدت دخول قوى مرتبطة بفصائل مسلحة إلى البرلمان عبر أطر سياسية، مع استمرار احتفاظها بقواعد مسلحة.
ويرى الجنابي أن هذا الواقع خلق إشكالية دستورية وقانونية، خصوصاً مع القيود المفروضة على الأحزاب ذات الأجنحة المسلحة، معتبراً أن إصلاح النظام السياسي يرتبط بشكل أساسي بملف السلاح وعلاقة القوى المسلحة بالدولة.
وفي المقابل، يرى الباحث عبد القادر النايل أن المشكلة أصبحت أوسع من مجرد مخالفة قانونية، بعدما أدى تداخل النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي إلى ظهور قوى تمتلك أدوات تأثير متعددة داخل الدولة وخارجها.
ويدعو النايل إلى تعزيز مؤسسات الدولة وتطبيق القانون بصورة متساوية، إلى جانب معالجة أوضاع الفصائل المسلحة وإغلاق ما وصفها بالمكاتب الاقتصادية التابعة لبعض الأحزاب المسلحة، مع طرح برامج لإعادة دمج العناصر المسلحة في مؤسسات الدولة أو توفير مسارات مدنية لهم.
وبينما تتعدد الأحزاب والائتلافات في العراق، يبقى السؤال الأبرز متعلقاً بمدى قدرة النظام السياسي على تحويل هذه التعددية العددية إلى منافسة سياسية حقيقية، في ظل استمرار تركّز النفوذ بيد قوى محدودة وارتباط ملف السياسة بملف السلاح.
فالمشهد العراقي، بعد أكثر من عقدين على سقوط نظام الحزب الواحد، انتقل فعلياً إلى التعددية الحزبية، لكنه لا يزال يواجه اختباراً أصعب يتعلق بمدى قدرة الدولة على فرض قواعد واحدة على جميع القوى، والفصل بين العمل السياسي والقوة المسلحة.

