أشاد المبعوث الأميركي إلى العراق توم باراك باستكمال انسحاب القوات الأميركية من البلاد، معتبراً أن التطور يفتح المجال أمام الحكومة العراقية لتوحيد القوات المسلحة تحت قيادة الدولة، في وقت يتواصل فيه النقاش السياسي بشأن مستقبل الفصائل المسلحة وآليات حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
وقال باراك، في تدوينة نشرها مساء الأربعاء على منصة «إكس»، إن الولايات المتحدة أكملت إعادة قواتها إلى الوطن بعد 23 عاماً على وصول أولى قواتها إلى العراق، مشيراً إلى أن المرحلة الجديدة تتطلب تنسيقاً بين بغداد وأربيل والحلفاء الإقليميين والمصالح الأميركية.
وأضاف أن الأميركيين والعراقيين الذين شاركوا في العمليات العسكرية وقدموا تضحيات على مدى السنوات الماضية أسهموا في الوصول إلى هذه المرحلة، معتبراً أن العراق بات أمام فرصة لبحث مستقبل المنظومة الأمنية وتوحيد جميع القوات المسلحة تحت قيادة دولة واحدة.
وربط المبعوث الأميركي بين انتهاء المهمة العسكرية وضرورة الانتقال إلى صيغة جديدة للعلاقات بين بغداد وواشنطن، تقوم، وفق تعبيره، على اعتبار الولايات المتحدة حليفاً للعراق، وليس مجرد قوة تتولى حمايته عسكرياً.
ووصف باراك هذه المرحلة بأنها تتطلب تحركاً سياسياً معقداً، في ظل تشابك الملفات الأمنية والإقليمية والمصالح الدولية، وما تفرضه من تحديات على الأطراف المعنية.
نهاية مهمة التحالف الدولي في العراق
وجاءت تصريحات باراك بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مغادرة آخر القوات الأميركية من العراق، معتبراً أن الوقت حان لعودة الجنود إلى بلادهم، كما أشاد برئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، مثنياً على دوره في المرحلة الحالية.
وفي السياق نفسه، أعلن الزيدي، الأربعاء، الانتهاء الرسمي لمهمة التحالف الدولي في العراق، موجهاً الشكر إلى الدول المشاركة على دعمها القوات الأمنية العراقية خلال العمليات ضد تنظيم «داعش».
كما أعلنت وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون» اختتام الولايات المتحدة وشركائها في التحالف الدولي رسمياً عملية «العزم الصلب» في العراق، وهي العملية المرتبطة بالجهود العسكرية لمواجهة التنظيم.
ويشكل انتهاء المهمة محطة جديدة في مسار العلاقات الأمنية بين العراق والتحالف الدولي، بعد سنوات من العمليات العسكرية التي بدأت في أعقاب سيطرة تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من البلاد عام 2014، قبل أن تستعيد القوات العراقية السيطرة على تلك المناطق بدعم من التحالف.
وفي موازاة إعلان الانتهاء الرسمي للمهمة، أكد التحالف الدولي المناهض للتنظيم في العراق عدم وجود مبرر لاستمرار الجماعات المسلحة في البلاد بعد انسحابه، في موقف يتقاطع مع النقاش الداخلي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، لكنه يضع الملف أيضاً ضمن سياق أوسع يتعلق بترتيبات الأمن بعد انتهاء الوجود العسكري للتحالف.
حصر السلاح أمام اختبار التنفيذ
ويبرز ملف الفصائل المسلحة بوصفه أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة العراقية في المرحلة المقبلة، إذ وضعت حكومة الزيدي مسار حصر السلاح ضمن جدول زمني منفصل عن عملية انسحاب التحالف الدولي.
وكان الزيدي قد أعلن في 21 أيلول/سبتمبر خطة تبدأ بمرحلة تهدئة تمتد 90 يوماً، تمتنع خلالها الفصائل عن شن هجمات، مقابل ضمانات بعدم تعرضها لهجمات أميركية، على أن تبدأ بعدها عملية تسليم السلاح، وصولاً إلى استكمالها بحلول 30 حزيران/يونيو 2027.
وتجري بالتوازي تحركات واتصالات بين قوى سياسية وفصائل مسلحة لبحث آليات تنفيذ الخطة، وسط تباينات بشأن كيفية معالجة الملف وضمانات تطبيقه.
وفي 23 أيلول/سبتمبر، أعلن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي أن برنامجاً وجدولاً زمنياً لحصر السلاح سيُعلنان في 30 أيلول/سبتمبر، مؤكداً أهمية التعامل مع القضية عبر الحوار وضمن الأطر الدستورية والقانونية.
وتضع هذه التطورات الحكومة العراقية أمام مسارين متداخلين: استكمال الانتقال من مرحلة وجود التحالف الدولي إلى ترتيبات أمنية تقودها المؤسسات العراقية، والعمل على معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة، بما يتطلب توافقاً سياسياً وأمنياً على آليات التنفيذ.
وبينما يمثل انتهاء مهمة التحالف تحولاً في طبيعة الوجود العسكري الدولي في العراق، فإن توحيد القرار الأمني يبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية، وتحديد مسؤوليات المؤسسات الرسمية، ومعالجة الخلافات المتعلقة بمستقبل الفصائل المسلحة.
وبذلك، لا تتوقف المرحلة المقبلة عند عودة القوات الأميركية، بل تمتد إلى اختبار قدرة الدولة العراقية على إدارة الملفات الأمنية بصورة مستقلة، في ظل استمرار التحديات الداخلية والتغيرات التي تشهدها المنطقة.

