حذّر مركز "الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية" من أن الاقتصاد العراقي يواجه مجموعة من نقاط الضعف المتراكمة التي قد تزيد من تأثير أي صدمة إقليمية جديدة، في ظل الاعتماد الكبير على النفط، وارتفاع الإنفاق الجاري، وضعف القاعدة الإنتاجية غير النفطية، إلى جانب الاعتماد الواسع على الاستيراد ومحدودية تنوع طرق تصدير النفط.
وقال المركز، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، إن المخاطر التي تواجه الاقتصاد العراقي لم تعد مرتبطة فقط بتراجع أسعار النفط أو ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، وإنما باتت مرتبطة أيضاً بقدرة العراق على إيصال إنتاجه النفطي إلى الأسواق في حال تعرض طرق التصدير أو الملاحة الإقليمية لاضطرابات طويلة.
وأوضح التقرير أن الأزمة الإقليمية والاضطرابات التي طالت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز كشفت أن أمن الاقتصاد العراقي لا يتوقف عند امتلاك احتياطيات نفطية كبيرة أو الاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية، وإنما يرتبط بسلسلة تبدأ من استخراج النفط وتنتهي بوصول عائداته إلى خزينة الدولة.
وبحسب المركز، فإن أي تعطّل في هذه السلسلة يمكن أن ينتقل سريعاً من قطاع النفط إلى المالية العامة، ثم إلى الإنفاق الحكومي والاستثمار والسيولة والأسواق وسعر الصرف، وصولاً إلى التأثير في مستوى معيشة المواطنين.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل المؤشرات الاقتصادية المتاحة خلال سبتمبر/أيلول 2026.
وأشار التقرير إلى توقعات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بانكماش الاقتصاد العراقي بنحو 12% خلال العام الحالي، مع ربط ذلك بصورة أساسية بالاضطرابات الإقليمية وتعطل الصادرات النفطية.
كما أشار إلى بيانات البنك الدولي التي تظهر حجم الاعتماد على النفط، إذ شكّل الخام نحو 88% من الإيرادات الحكومية العراقية و91% من صادرات السلع خلال عام 2025، ما يجعل أي اضطراب طويل في تدفقات النفط ذا انعكاسات مباشرة على قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام.
وفي المقابل، استبعد التقرير الانتقال مباشرة من هذه المؤشرات إلى الحديث عن انهيار اقتصادي وشيك، مشيراً إلى امتلاك العراق احتياطيات دولية كبيرة.
وقدّر البنك الدولي الاحتياطيات بنحو 98.7 مليار دولار في فبراير/شباط 2026، وهو ما يوفر، وفق التقرير، هامشاً مهماً أمام السلطات للتعامل مع الصدمات.
لكن المركز شدد على أن الاحتياطيات ليست مورداً دائماً ولا يمكن أن تحل محل التدفقات النفطية المستمرة، محذراً من أن استخدامها لفترة طويلة لتمويل الاختلالات المالية قد يحول السؤال من حجم الاحتياطي إلى سرعة استنزافه.
ويرى التقرير أن استمرار الصادرات النفطية دون مستوياتها المعتادة لفترة طويلة قد يضع الحكومة أمام خيارات أكثر صعوبة، من بينها زيادة الاقتراض، وتأجيل بعض المشاريع الاستثمارية، واستخدام جزء أكبر من الاحتياطيات، أو البحث عن مصادر إضافية للإيرادات وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
ولا يتوقف أثر هذه الضغوط، بحسب المركز، عند المالية العامة، إذ قد تنتقل تداعياتها إلى السوق المحلية نتيجة اعتماد العراق على الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاته، بما قد ينعكس على أسعار الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية في حال تعرض تدفقات التجارة أو العملة الأجنبية لضغوط إضافية.
ويرى المركز أن أزمة طرق تصدير النفط كشفت كذلك عن مشكلة استراتيجية تتمثل في اعتماد الاقتصاد على عدد محدود من الممرات، وهو ما يجعل تنويع طرق التصدير جزءاً من مسألة الأمن الاقتصادي، وليس مجرد خيار تجاري.
وفي مواجهة هذه المخاطر، دعا التقرير إلى التمييز بين إدارة الأزمة والإصلاح الاقتصادي.
فعلى المدى القصير، تشمل الأولويات المقترحة حماية الاحتياطيات الأجنبية، وضبط الإنفاق الأقل أولوية، وضمان تمويل الرواتب والخدمات الأساسية والغذاء والدواء، والحد من المضاربة على العملة، وتأمين المخزونات الاستراتيجية، إلى جانب تسريع البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط.
كما دعا إلى إعداد سيناريوهات مالية ترتبط بمدة الأزمة، بدلاً من الاعتماد على افتراض انتهاء الاضطرابات خلال فترة قصيرة، بما يشمل تحديد الأولويات في حال استمرارها ثلاثة أو ستة أشهر، ومعرفة النفقات التي يجب حمايتها وتلك التي يمكن تأجيلها وحدود الاقتراض التي يمكن للدولة تحملها.
ويخلص التقرير إلى أن تنويع الاقتصاد العراقي لم يعد، من وجهة نظر المركز، مشروعاً تنموياً مؤجلاً، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة على حماية اقتصادها من الصدمات الخارجية.
فامتلاك العراق موارد نفطية ضخمة يوفر مورداً أساسياً للدخل، لكنه لا يلغي المخاطر الناتجة عن الاعتماد على مورد واحد أو عن محدودية البدائل في الإنتاج والتصدير.
وبحسب المركز، فإن التحدي بعد انتهاء الأزمة لا يتمثل فقط في عودة الإيرادات النفطية إلى مستوياتها السابقة، وإنما في الاستفادة من الدروس التي كشفتها اضطرابات عام 2026، عبر بناء بدائل اقتصادية وتجارية ومالية تقلل من تعرض العراق لتكرار الصدمة نفسها مستقبلاً.

