الحدث العراقي
سياسية-فريق التحرير

تقرير أمريكي: حملة علي الزيدي ضد الفساد في العراق لن تنجح دون إصلاح النظام السياسي وإنهاء المحاصصة

٨ تموز ٢٠٢٦
1 دقائق قراءة
تقرير أمريكي: حملة علي الزيدي ضد الفساد في العراق لن تنجح دون إصلاح النظام السياسي وإنهاء المحاصصة
سياسية-فريق التحرير

سلّط تقرير صادر عن معهد كوينسي الأميركي للدراسات الضوء على حملة مكافحة الفساد التي يقودها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، معتبراً أنها تمثل خطوة مهمة في مواجهة أحد أخطر الملفات التي أثقلت الدولة العراقية منذ عام 2003، لكنها في الوقت ذاته لن تكون كافية وحدها ما لم تترافق مع إصلاح جذري للنظام السياسي والمؤسسي القائم على المحاصصة، والذي يراه التقرير السبب الأعمق لتفشي الفساد في العراق.

وبحسب التقرير، فإن الحملة التي أطلقها الزيدي منذ توليه رئاسة الوزراء في مايو/أيار الماضي، استهدفت شخصيات نافذة داخل المؤسستين السياسية والإدارية، وفتحت ملفات تتعلق بمليارات الدولارات التي يُشتبه في سوء إدارتها أو تبديدها، في تحرك وُصف بأنه من أكثر الحملات جرأة واتساعاً منذ سنوات.

حملة "الفجر" تفتح ملفات حساسة في الدولة العراقية

أشار التقرير إلى أن العملية التي أطلقت عليها الحكومة العراقية اسم "الفجر" وصلت إلى عمق شبكات النفوذ السياسي والإداري، واستهدفت مسؤولين وبيروقراطيين وفاعلين سياسيين يُعتقد أنهم استفادوا لسنوات من نظام المحاصصة والمحسوبية في العراق.

ويرى التقرير أن أهمية هذه الحملة لا تكمن فقط في ملاحقة متهمين بالفساد، بل في كونها تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة العراقية على الاقتراب من شبكات معقدة تشكلت داخل مؤسسات الدولة خلال العقدين الماضيين، مستفيدة من التداخل بين السلطة السياسية والإدارة والمال العام.

دعم دولي لحملة الزيدي ضد الفساد

وبحسب التقرير الأميركي، فإن حملة الزيدي حظيت بترحيب ودعم من قوى دولية عدة، في مقدمتها الولايات المتحدة والصين، حيث تنظر واشنطن إلى هذه الخطوات باعتبارها مؤشراً على بدء بغداد بمواجهة الفساد الذي أضعف مؤسسات الحكم وعرقل استقرار البلاد لسنوات طويلة.

أما الصين، التي تُعد من أبرز الشركاء الاقتصاديين للعراق، فلديها بدورها مصلحة مباشرة في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتحسين بيئة الاستثمار، ما يجعلها معنية بأي إجراءات تقلص الفساد وتدعم قدرة الدولة العراقية على إدارة مشاريعها الاقتصادية والخدمية بكفاءة أكبر.

كما لفت التقرير إلى أن الحملة لم تحظَ فقط بترحيب خارجي، بل تلقت أيضاً دعماً من شخصيات سياسية عراقية بارزة، من بينها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي أشاد بالإجراءات المتخذة ضد من وصفهم بمبددي أموال العراقيين، إضافة إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي أعلن دعمه لما سمّاه “حملة الإصلاح”.

كيف ترسخ الفساد في العراق بعد 2003؟

يربط التقرير جذور الفساد في العراق بالنظام السياسي الذي نشأ بعد الغزو الأميركي عام 2003، حين تشكلت بنية حكم قائمة على تقاسم السلطة والمحاصصة الحزبية والطائفية، وتحولت الوزارات والمؤسسات الحكومية في كثير من الأحيان إلى ساحات نفوذ للأحزاب السياسية، بدلاً من أن تكون مؤسسات دولة قائمة على الكفاءة والخبرة.

وبموجب هذا النظام، لم تعد المناصب العليا تُمنح دائماً على أساس الكفاءة، بل أصبحت في حالات كثيرة جزءاً من التوازنات السياسية، الأمر الذي فتح الباب أمام توظيف الموالين، وتوزيع العقود وفق الولاءات، وتشكيل شبكات محسوبية داخل مؤسسات الدولة.

ولا يقتصر الأمر على المستويات العليا فقط، إذ يشير التقرير إلى أن الفساد امتد أيضاً إلى المستويات الأدنى من الجهاز الإداري، حيث ظهرت شبكات صغيرة داخل الدوائر الرسمية تطلب مدفوعات غير قانونية، وتمنح الامتيازات والعقود لحلفائها، وتستخدم الموقع الوظيفي لتحقيق مكاسب خاصة بعيداً عن الرقابة والمحاسبة.

الرشوة والابتزاز و"سرقة القرن"

ويؤكد التقرير أن مظاهر الفساد في العراق لم تعد تقتصر على اختفاء الأموال العامة أو تضخم العقود الحكومية، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للعراقيين، الذين اضطر كثير منهم خلال السنوات الماضية إلى دفع رشاوى لإنجاز أبسط المعاملات الإدارية أو الحصول على حقوق وخدمات يفترض أن تكون مكفولة قانوناً.

كما أشار إلى أن بعض الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة مارست في فترات مختلفة أنماطاً من الإتاوات والجبايات غير الرسمية، سواء عبر نقاط التفتيش أو عبر النفوذ المحلي، ما عمّق الشعور لدى المواطنين بأن الفساد لم يعد مجرد حالات فردية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تتغذى على ضعف الدولة وتداخل السياسة بالاقتصاد والأمن.

وفي هذا السياق، استحضر التقرير فضيحة "سرقة القرن" بوصفها واحدة من أبرز الأمثلة على حجم الاختراق الذي تعرضت له مؤسسات الدولة العراقية، بعدما كشفت القضية عن آليات واسعة لتحويل وسحب أموال ضخمة من مؤسسات رسمية عبر شبكات مالية وإدارية معقدة.

احتجاجات العراق..
عقد من الغضب بسبب الفساد

يعيد التقرير التذكير بأن الغضب من الفساد ليس جديداً في العراق، بل كان واحداً من أبرز أسباب موجات الاحتجاج التي شهدتها بغداد والبصرة والنجف وكربلاء ومدن أخرى خلال السنوات الماضية.

فمنذ أكثر من عقد، خرج آلاف العراقيين إلى الشوارع احتجاجاً على تردي الخدمات العامة، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع البطالة، واتساع نفوذ الأحزاب على حساب مؤسسات الدولة.
وكان الفساد في صلب هذه الاحتجاجات، بوصفه السبب الذي حال دون وصول عائدات النفط والموارد العامة إلى تحسين حياة المواطنين.

وفي تلك الفترة، حاولت حكومات عراقية سابقة تقديم نفسها على أنها جادة في مواجهة الفساد، وأطلقت مبادرات وهيئات جديدة لهذا الغرض، من بينها ما جرى في عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي.
لكن التقرير يرى أن تلك الخطوات بقيت محدودة الأثر، لأنها لم تمس البنية السياسية التي تنتج الفساد، بل أضافت في بعض الأحيان طبقة جديدة من البيروقراطية من دون إحداث تغيير فعلي.

ما الذي يميز حملة علي الزيدي؟

يرى التقرير أن ما يميز نهج علي الزيدي هو أنه لا يطرح مكافحة الفساد بوصفها مجرد ملاحقة لملفات مالية أو إدارية منفصلة، بل يقترب من البنية السياسية التي ساعدت على إنتاج هذا الفساد.
فالمشكلة، وفق التقرير، ليست فقط في وجود مسؤولين فاسدين، وإنما في وجود نظام حكم قائم على تقاسم النفوذ، يجعل المؤسسات عرضة للتوظيف السياسي والحزبي.

ولهذا، فإن نجاح الحملة لن يقاس فقط بعدد الموقوفين أو حجم الأموال التي قد تُسترد، بل بمدى قدرة الحكومة على فرض تغييرات فعلية في طريقة إدارة الوزارات والمؤسسات، وإبعادها عن منطق المحاصصة، وتكريس مبدأ الكفاءة والمساءلة.

دور الرقابة المالية الدولية في كشف الشبكات المشبوهة

التقرير يشير أيضاً إلى أن بعض التطورات في ملف مكافحة الفساد بالعراق لم تكن منفصلة عن الرقابة المالية الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بمتابعة التحويلات المالية المشبوهة وتهريب الأموال.

ففي ظل اعتماد العراق بشكل كبير على الدولار وعلى شبكة التحويلات المالية الدولية، لعبت آليات تتبع المعاملات المصرفية والرقابة المرتبطة بالنظام المالي العالمي دوراً في كشف جزء من الشبكات التي تحرك أموالاً ضخمة داخل العراق وخارجه.
ويعني ذلك أن مكافحة الفساد في العراق لم تعد شأناً محلياً خالصاً، بل باتت مرتبطة أيضاً بمتطلبات الشفافية المالية الدولية والضغوط الخارجية على النظام المصرفي والمالي.

المحاصصة هي العقدة الأساسية

الاستنتاج الأبرز الذي يخرج به تقرير معهد كوينسي هو أن الفساد في العراق ليس مجرد انحرافات فردية، بل هو نتاج نظام سياسي وإداري كامل تشكل بعد 2003، يقوم على تقاسم المناصب والموارد والنفوذ بين القوى السياسية، ويمنح الأحزاب مساحة واسعة للتأثير في مؤسسات الدولة.

وبهذا المعنى، فإن أي حملة تستهدف بعض الأسماء أو الملفات، من دون أن تقترب من هذا النظام نفسه، ستبقى معرضة للتراجع أو الاحتواء أو إعادة التدوير.
فالمشكلة ليست فقط في “من سرق” أو “من هدر المال”، بل في البيئة التي سمحت بذلك، وحمت المتورطين، وأضعفت أجهزة الرقابة والمحاسبة.

هل يستطيع الزيدي الذهاب إلى النهاية؟

يضع التقرير علي الزيدي أمام اختبار شديد التعقيد.
فمن جهة، هناك دعم شعبي واضح لأي تحرك يستهدف الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وهناك أيضاً ترحيب دولي بأي إصلاح يعزز استقرار العراق ويفتح الباب أمام بيئة استثمار أكثر أماناً.
لكن من جهة أخرى، يواجه رئيس الوزراء شبكة مصالح واسعة راكمت نفوذها طوال سنوات، وتستفيد من استمرار النظام الحالي بصيغته القائمة.

ولذلك، فإن المعركة التي يخوضها الزيدي لا تبدو مجرد حملة أمنية أو قضائية، بل صراعاً مع بنية سياسية واقتصادية وإدارية متشابكة، نجحت خلال سنوات في التكيف مع الضغوط وإعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

مستقبل الحملة..
بين استعادة الدولة وإعادة تدوير الأزمة

في المحصلة، يرى التقرير الأميركي أن حملة مكافحة الفساد التي يقودها علي الزيدي تمثل فرصة نادرة لإعادة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العراق، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحدياً مصيرياً: هل ستتحول إلى نقطة بداية لإصلاح أوسع يطال بنية الحكم والمحاصصة، أم ستبقى مجرد جولة جديدة في حرب طويلة مع الفساد من دون تغيير جذري؟

الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على قدرة الحكومة العراقية على الانتقال من ملاحقة الأعراض إلى معالجة الأسباب، ومن الاكتفاء بفتح ملفات فساد كبيرة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والشفافية وسيادة القانون.

فالعراق، بحسب التقرير، لا يحتاج فقط إلى حملة اعتقالات أو لجان تحقيق، بل إلى إعادة نظر شاملة في الطريقة التي تُدار بها السلطة والموارد العامة، لأن الفساد لم يعد مجرد أزمة مالية، بل أصبح جزءاً من أزمة الحكم نفسها.

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!