الحدث العراقي
سياسية-فريق التحرير

ما بعد تشييع خامنئي في العراق.. ضغوط أميركية وارتباك سياسي يلاحقان حكومة بغداد

١٠ تموز ٢٠٢٦
1 دقائق قراءة
ما بعد تشييع خامنئي في العراق.. ضغوط أميركية وارتباك سياسي يلاحقان حكومة بغداد
سياسية-فريق التحرير

تحوّلت مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في العراق إلى حدث سياسي يتجاوز طابعه الديني والرمزي، بعدما ربطت أوساط عراقية مطلعة بين هذا الحدث وبين مرحلة جديدة قد تعيد رسم التوازنات داخل بغداد، وتضع الحكومة العراقية أمام اختبار صعب بين نفوذ طهران وضغوط واشنطن المتزايدة.

وشهدت مدينتا النجف وكربلاء مشاركة واسعة في مراسم التشييع، وسط حضور رسمي وسياسي عراقي وإيراني، في وقت كانت فيه المنطقة تعيش على وقع تصعيد جديد بين الولايات المتحدة وإيران.
وتقول مصادر سياسية عراقية إن مراسم الوداع لم تكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل حملت رسائل سياسية مباشرة، خصوصاً مع حضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وفي ظل قراءة داخلية تعتبر أن العراق ظهر مجدداً كساحة نفوذ إيراني واضحة، وهو ما يضع الحكومة العراقية في موقع حساس أمام الإدارة الأميركية.

التشييع ورسائل بغداد المتناقضة

وبحسب معطيات سياسية متداولة، فإن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي حضر لفترة قصيرة مراسم استقبال جثمان خامنئي وبعض أفراد عائلته في النجف قبل أن يغادر سريعاً إلى بغداد، في حين سجل حضور مكثف لقيادات «الإطار التنسيقي» التي سارعت للمشاركة في مراسم الاستقبال والتشييع.

وتشير المصادر إلى أن الحكومة العراقية أعلنت عطلة رسمية قبل ساعات قليلة فقط من انطلاق المراسم، في خطوة عكست – وفق التقديرات – حجم الجدل الذي سبق قرار استضافة التشييع داخل العراق.
كما تفيد المعلومات بأن استضافة الحدث لم تكن قراراً سهلاً داخل مؤسسات الدولة، بل جاءت بعد نقاشات معقدة، قبل أن تميل الكفة تحت ضغط سياسي إيراني مدعوم من قوى نافذة داخل «الإطار التنسيقي» وبعض الفصائل المسلحة.

وتكشف هذه القراءة عن تباين واضح في طريقة تعاطي بغداد مع الحدث؛ فمن جهة سعت الحكومة إلى تجنب الظهور بمظهر الطرف المنخرط بالكامل في المشهد الإيراني، ومن جهة أخرى لم تتمكن من تجاهل ثقل القوى السياسية المقربة من طهران، والتي رأت في التشييع مناسبة لإظهار استمرار النفوذ الإيراني في العراق.

لماذا استُبعدت بغداد من برنامج التشييع؟

من أبرز النقاط التي أثارت الانتباه في ملف التشييع، استبعاد العاصمة بغداد من جدول المراسم، رغم تداول معلومات سابقة عن نية إقامة مراسم في مدينة الكاظمية.
ووفق ما يتم تداوله في الأوساط السياسية العراقية، فإن هذا التعديل لم يكن تفصيلاً تنظيمياً، بل جاء نتيجة مخاوف من أن تتحول أي مراسم واسعة في بغداد إلى منصة سياسية وشعبية ضد الولايات المتحدة، على غرار الشعارات التي رُفعت في إيران خلال التشييع.

وبحسب هذه التقديرات، فإن حصر البرنامج في النجف وكربلاء جاء لتفادي إحراج الحكومة العراقية، ولا سيما قبل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء إلى واشنطن، حيث يسعى الزيدي إلى تقديم نفسه كشريك قادر على إعادة التوازن في العلاقة مع الولايات المتحدة وفتح صفحة سياسية جديدة بعيداً عن إرث السنوات الماضية.

زيارة واشنطن وملف “تسوية حزيران”

تأتي هذه التطورات في وقت تتجه فيه الأنظار إلى زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة، وسط حديث عن تفاهمات سياسية واقتصادية وأمنية أوسع يجري العمل عليها بين بغداد وواشنطن.
وتربط مصادر عراقية بين هذه الزيارة وبين ما يُعرف في بعض الأوساط السياسية بـ«تسوية حزيران»، وهي تفاهمات يُقال إنها تقوم على منح العراق فرصاً أوسع للاستثمار والدعم الأميركي، مقابل خطوات واضحة للحد من نفوذ الفصائل المسلحة وتقليص الحضور الإيراني داخل مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، تتحدث معلومات من داخل قوى عراقية نافذة عن توجه لإبعاد أي شخصيات مرتبطة بالفصائل أو شاركت في الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران عن المناصب التنفيذية الحساسة، في إطار ما يشبه إعادة فرز للمشهد الإداري والسياسي داخل الدولة العراقية.
كما يجري الحديث عن حملة أوسع قد تطال المواقع التي تشغلها شخصيات محسوبة على الفصائل ضمن الهيكل الإداري الرسمي.

ملف السلاح..
العقدة الأثقل في المشهد

لكن التحدي الأكبر أمام الحكومة العراقية لا يقتصر على التوازن السياسي، بل يمتد إلى ملف السلاح الذي ما يزال يشكل إحدى أعقد القضايا في العلاقة مع واشنطن.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن الفصائل ما تزال تحتفظ بقدرات عسكرية نوعية، من بينها صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، رغم الحديث عن عمليات تسليم سلاح خلال الفترة الماضية.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن بعض ما تم تسليمه كان مجرد أسلحة أو معدات غير فعالة، فيما بقي السلاح الثقيل خارج أي تسوية فعلية.
وتضيف هذه المصادر أن جزءاً من التعقيد يعود إلى رفض إيراني للتخلي عن بعض القدرات الصاروخية الموجودة لدى حلفائها في العراق، وهو ما يجعل ملف تفكيك الفصائل أو دمجها الكامل في مؤسسات الدولة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

أزمة استكمال الحكومة تعود إلى الواجهة

بالتوازي مع ملف التشييع والضغوط الأميركية، يواجه رئيس الوزراء العراقي أزمة داخلية لا تقل تعقيداً، تتعلق باستكمال تشكيل حكومته وحسم الحقائب الشاغرة.
وتفيد المعلومات بأن الولايات المتحدة تبدي اعتراضات واضحة على منح بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها عصائب أهل الحق، مواقع وزارية أو تنفيذية حساسة، ما تسبب في تأجيل جلسات كان يفترض أن تُخصص لاستكمال التشكيلة الحكومية.

وتشير التقديرات إلى أن الخلاف لا يتوقف عند حدود توزيع الوزارات، بل يمتد إلى أسماء المرشحين أنفسهم، وسط اعتراضات متبادلة بين الكتل السياسية، وتمسك بعض الأطراف بحصصها في الحكومة.
كما يبرز اسم وزارة الداخلية كواحدة من أكثر العقد تعقيداً، مع استمرار الجدل حول المرشح الذي يدفع به نوري المالكي، في وقت تبدو فيه فرص التوافق السياسي السريع محدودة.

حكومة تحت الضغط بين طهران وواشنطن

في المحصلة، لا يبدو تشييع علي خامنئي في العراق حدثاً عابراً في السياق العراقي، بل محطة سياسية كشفت حجم التداخل بين الرمزية الإيرانية والقرار العراقي، وأظهرت في الوقت نفسه حدود المناورة المتاحة أمام حكومة بغداد.
فبينما تحاول الحكومة إرسال إشارات انفتاح إلى واشنطن، تجد نفسها مضطرة لمراعاة موازين قوى داخلية ما تزال طهران حاضرة بقوة في تفاصيلها.

ومع اقتراب زيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة، وتزايد الضغوط المرتبطة بملفات الفصائل والسلاح والحقائب الوزارية، تبدو بغداد أمام مرحلة حساسة قد تعيد رسم شكل السلطة والتحالفات فيها.
وفي حال فشلت الحكومة في إدارة هذا التوازن الدقيق، فإن تشييع خامنئي قد يُقرأ لاحقاً بوصفه نقطة فاصلة بين عراق ما قبل التشييع وعراق ما بعده.

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

ما بعد تشييع خامنئي في العراق.. ضغوط أميركية وارتباك سياسي يلاحقان حكومة بغداد