الحدث العراقي
محلي-فريق التحرير

مبادرة المليون قطعة أرض في العراق.. مشروع سكني قد يغيّر خريطة المدن

٨ أيلول ٢٠٢٦
•1 دقائق قراءة
مبادرة المليون قطعة أرض في العراق.. مشروع سكني قد يغيّر خريطة المدن
محلي-فريق التحرير

تتجه الحكومة العراقية إلى استكمال مبادرة المليون قطعة أرض سكنية، في مشروع يتجاوز فكرة توزيع الأراضي إلى معالجة جانب من أزمة السكن والحد من انتشار العشوائيات، بالتوازي مع تحريك قطاعات البناء وخلق فرص عمل جديدة، وفق ما أكده نواب وخبراء اقتصاديون.

وتستند المبادرة، بحسب تصريحات رسمية وبرلمانية، إلى توفير قطع أراضٍ مخدومة للعوائل المستحقة التي لا تمتلك مسكناً أو قطعة أرض، مع تنفيذ العملية بصورة تدريجية وعلى مراحل تشمل المحافظات العراقية.

وقال عضو اللجنة المالية النيابية ناصر تركي، في تصريحات لوكالة الأنباء العراقية، إن مبادرة المليون قطعة أرض تمثل خطوة مهمة بالنظر إلى حاجة المواطنين إلى السكن، مشيراً إلى دعم مجلس النواب للمشروع.

وأضاف أن الحكومة تعمل على استكمال المبادرة، بما يمكن أن يتيح لاحقاً توفير بدائل مناسبة للأسر التي تقطن في المناطق العشوائية، وهو ما يمنح المشروع بعداً اجتماعياً يتجاوز مسألة توزيع الأراضي.

وفي السياق ذاته، أوضح المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة نبيل الصفار أن اللجان المشتركة ضمن مبادرة «وطن» تمكنت من تهيئة الوجبة الأولى من الأراضي في عدد من المحافظات، تمهيداً لإيصال خدمات البنى التحتية إليها قبل توزيعها على المستحقين.

ويُحدد الاستحقاق، وفق الصفار، بعد مطابقة بيانات المتقدمين مع قاعدة بيانات مديرية التسجيل العقاري، للتحقق من عدم امتلاك المتقدم قطعة أرض أو وحدة سكنية.

وأشار إلى أن العمل سيستمر بصورة متتابعة، بحيث تُرفع الأراضي التي تستكمل إجراءات تخصيصها في المحافظات إلى اللجنة المختصة، بعد استكمال أعمال الجهات المعنية بالبلديات والزراعة والتخطيط العمراني والتسجيل العقاري وعقارات الدولة.

وبحسب وزارة الإعمار، جرى العمل على إزالة التعارضات المتعلقة بالأراضي وإعداد التصاميم الأساسية والقطاعية، فيما تمتد المدة الزمنية الكلية للمبادرة، وفق ما أُعلن، إلى ثلاث سنوات، يجري خلالها تسليم المستحقين قطع الأراضي المخدومة مجاناً.

ولا ينظر اقتصاديون إلى المشروع باعتباره ملفاً إسكانياً فقط، إذ يرون أن انتقال المستفيدين من مرحلة الحصول على الأرض إلى مرحلة البناء يمكن أن يخلق دورة اقتصادية واسعة تشمل الإسمنت والطابوق والحديد والأنابيب والأسلاك والأبواب والنوافذ والأثاث والأجهزة، إلى جانب المقاولين والمهندسين والعمال والحرفيين وقطاع النقل والخدمات.

وتزداد أهمية هذا الأثر مع الإعلان عن تهيئة نحو 216 ألف قطعة أرض في ست محافظات ضمن المبادرة، تمهيداً لاستكمال أعمال التطوير وإيصال الخدمات إليها.

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه أن المشروع يمكن أن يوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، خصوصاً إذا جرى توجيه الطلب الناتج عن أعمال البناء إلى المنتجات المحلية، بما يعزز نشاط الصناعات المرتبطة بقطاع الإنشاءات ويقلل الاعتماد على المواد المستوردة.

كما يمكن لإشراك القطاع الخاص والمطورين العقاريين في تنفيذ مشاريع البنى التحتية أن يخفف جزءاً من الأعباء المالية عن الدولة، ويفتح المجال أمام استثمارات مرتبطة بالمدن والتجمعات السكنية الجديدة.

أما على مستوى سوق العقارات، فقد يؤدي توفير مئات الآلاف من قطع الأراضي المخدومة إلى زيادة المعروض السكني والحد من الضغوط السعرية، لكن الخبراء يربطون هذا الأثر بتحول الأراضي فعلياً إلى مساكن، إلى جانب الحد من المضاربة وإعادة بيع الأراضي.

ولا تتوقف أهمية المشروع عند تخفيف أزمة السكن، إذ يمكن لإنشاء تجمعات جديدة ومتكاملة أن يخفف الضغط عن مراكز المدن، شرط ألا تتحول المناطق الجديدة إلى امتدادات سكنية تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

ويؤكد خبراء أن نجاح التجمعات الجديدة يحتاج إلى توفير المدارس والمراكز الصحية والأسواق وشبكات النقل، فضلاً عن ربطها بمصادر الدخل وفرص العمل، حتى يصبح الانتقال إليها خياراً عملياً ومستداماً بالنسبة للعوائل المستفيدة.

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي صفوان قصي أن إنشاء تجمعات سكانية جديدة في مختلف المحافظات يتطلب دراسة الموارد المتاحة لكل منطقة، وربط التوسع العمراني بقدرتها على توفير مقومات الحياة والدخل للسكان.

وأشار إلى إمكانية تطوير هذه المناطق وفق نماذج حديثة تعتمد على الطاقة الشمسية وتوفير المياه والخدمات الأساسية، مع دور محتمل للمصارف في تمويل المطورين العقاريين بتكاليف منخفضة لإنشاء التجمعات السكنية.

كما طرح تخصيص نسبة من الوحدات السكنية في المناطق المطورة لذوي الدخل المحدود أو معدومي الدخل، مع تنويع نماذج البناء بين العمودي والأفقي وفق طبيعة كل منطقة وحاجتها.

ويبقى معيار الاستحقاق أحد أبرز مفاتيح نجاح المبادرة، إذ تتركز الأولوية على من لا يمتلك هو وأفراد أسرته أي ملك، مع إمكانية شمول من لم يحصل سابقاً على قطعة أرض من الدولة في حال عدم بلوغ عدد المستحقين مليون قطعة.

وبينما تتواصل إجراءات تهيئة الأراضي وإيصال الخدمات، فإن الاختبار الأهم للمبادرة لن يكون في عدد القطع التي يجري الإعلان عنها فقط، وإنما في قدرتها على تحويل هذه الأراضي إلى أحياء سكنية متكاملة، وتوفير بيئة مناسبة للسكان، والمساهمة فعلياً في تقليص العشوائيات وفجوة السكن.

ومن شأن نجاح هذا المسار أن يجعل مبادرة المليون قطعة أرض مشروعاً عمرانياً واقتصادياً طويل الأثر، لا يقتصر على منح الأرض، بل يمتد إلى إعادة تشكيل جزء من خريطة المدن العراقية وتنشيط قطاعات اقتصادية مرتبطة بالسكن والبناء.

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!