تتجه الأنظار نحو العاصمة الفرنسية باريس استعدادًا لمؤتمر اقتصادي مرتقب يُشكل الاختبار الحقيقي لمخرجات الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، وسط مساعٍ حكومية حثيثة لتجاوز مرحلة "مذكرات التفاهم" وإعلانات النوايا إلى إبرام عقود استثمارية ملزمة ومحددة بجداول زمنية وآليات تمويل واضحة.
وتسعى بغداد من خلال هذه التحركات الاستراتيجية إلى تقديم بيئة عمل متكاملة ترتكز على إقرار قوانين مستقرة وتوفير بنية تحتية جاهزة، وضمان منظومة متماسكة للتمويل والضمانات، بما يكفل جذب رؤوس الأموال الأجنبية وتحويل الفرص المطروحة إلى مشاريع فعلية على الأرض.
وفي هذا السياق، أكد المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن الحكومة تضع شروطًا رئيسية أمام التدفقات الاستثمارية الفرنسية، تشمل توطين التكنولوجيا الحديثة، وتدريب الكوادر الوطنية، وإشراك القطاع الخاص المحلي في سلاسل التوريد الداخلية، لضمان بناء اقتصاد محلي مستدام ومربوط بالأسواق العالمية.
وتصدرت مشاريع الطاقة والبنية التحتية جدول الأعمال المشترك، حيث يقود عملاق الطاقة الفرنسي "توتال إنرجي" مباحثات متقدمة مع الجانب العراقي لزيادة الإنتاج النفطي ورفع كفاءة الطاقة، إلى جانب تسريع استثمار الغاز المصاحب لوقف الهدر المالي وتقليل التلوث البيئي عبر توجيهه لتوليد الكهرباء.
كما طرحت الحكومة العراقية ملف "طريق التنمية" والسكك الحديدية كفرص استثمارية واعدة أمام الشركات الفرنسية في مجالات التشغيل والخدمات اللوجستية والموانئ، إضافة إلى قطاعات البتروكيمياويات وتصنيع الثروات المعدنية كالكبريت والفوسفات للتحول من تصدير المواد الخام إلى التصنيع ذي القيمة المضافة.
ولم تتوقف خريطة التعاون عند الحدود الصناعية، بل امتدت لتشمل الشراكة الدوائية وإنشاء مراكز البحث الطبي، وتطوير قطاع المياه والاقتصاد الدائري بالتعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية.
ورغم صعوبة وضع تقديرات رقمية نهائية لحجم العوائد المالية في هذه المرحلة المبكرة، فإن التوقعات تشير إلى تمويلات ضخمة مرتقبة تظل رهينة بالانتقال العملي من صيغ التفاهم إلى مرحلة التنفيذ الميداني، وهو ما سيحدد الملامح النهائية لمدى نجاح الشراكة الاستراتيجية بين بغداد وباريس.

