مع اقتراب موعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، تبرز تساؤلات بشأن شكل العلاقة بين بغداد وواشنطن خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كان انتهاء الوجود العسكري سيقود إلى تراجع النفوذ الأميركي، أم إلى انتقال العلاقة نحو مجالات اقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية أوسع.
وتناول تقرير نشره موقع «أويل برايس» المتخصص في شؤون النفط والطاقة والأسواق، مستقبل العلاقات العراقية الأميركية بعد الانسحاب، مشيراً إلى أن خروج القوات لا يعني بالضرورة نهاية الشراكة بين البلدين، بل قد يفتح المجال أمام إعادة صياغتها على أسس مختلفة.
وبحسب التقرير، ستحتفظ الولايات المتحدة بعد الانسحاب بمجموعة من أدوات التأثير في العراق، من بينها مبيعات الأسلحة والمعدات الدفاعية، والتعاون الاستخباري، والعلاقات الدبلوماسية، إضافة إلى الاستثمار والتكنولوجيا وإمكانية الوصول إلى الأسواق الغربية.
ويرى التقرير أن المرحلة المقبلة قد تشهد تراجعاً في مركزية الملف العسكري لصالح تعاون أكثر اتساعاً، مع استمرار إمكانية التعاون الدفاعي ومكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل المخاوف المرتبطة بإمكانية عودة تنظيم داعش إلى النشاط في المنطقة.
ويبرز الاقتصاد كأحد الملفات التي قد تزداد أهميتها في العلاقة بين بغداد وواشنطن، في ظل حاجة العراق إلى استثمارات وخبرات وتكنولوجيا في قطاعات الطاقة والكهرباء والبنية التحتية والمصارف والنقل، وهي مجالات يمكن أن تشكل مساحة جديدة للتعاون الأميركي العراقي.
ويربط التقرير هذا المسار باتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق والولايات المتحدة عام 2008، والتي شملت مجالات متعددة إلى جانب التعاون الدفاعي، من بينها الاقتصاد والطاقة والتعليم والعلاقات الدبلوماسية.
كما تناول التقرير الملف المالي، داعياً إلى ربط الوصول إلى النظام المالي الدولي بمعايير الشفافية ومكافحة غسل الأموال والامتثال للقواعد الدولية، مع التأكيد على أن عائدات النفط العراقية تعود إلى الدولة العراقية.
وفي الجانب السياسي، يرى التقرير أن واشنطن ستحتاج إلى التعامل مع طبيعة العلاقات العراقية مع إيران، مع التشديد على أن القرارات المتعلقة بالأمن والدفاع ينبغي أن تمر عبر مؤسسات الدولة العراقية.
ويشير التقرير إلى أن العراق تغير منذ عام 2011، وأن طبيعة التحديات والفرص الاقتصادية والسياسية الحالية تختلف عن المرحلة السابقة، مع اتساع مساحة النقاش حول الاستثمار والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية إلى جانب الملفات الأمنية.
وتبقى مسألة الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة من الملفات التي ستؤثر في شكل العلاقة العراقية الأميركية خلال المرحلة المقبلة، إلا أن التقرير يطرح أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تكون بقيادة عراقية، بالتوازي مع استمرار التعاون الدفاعي بين البلدين.
ومن هذا المنظور، يخلص التقرير إلى أن العلاقة المقبلة قد تقوم على معادلة مختلفة: انسحاب القوات الأميركية، مقابل استمرار التعاون الأمني والدفاعي، وتوسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، مع الحفاظ على السيادة العراقية.
وبالنسبة إلى بغداد، فإن الانتقال من مرحلة الوجود العسكري إلى شراكة متعددة المجالات قد يضع الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا في موقع أكثر أهمية داخل العلاقات مع واشنطن، فيما ستحدد التطورات السياسية والأمنية قدرة الطرفين على بناء صيغة جديدة ومستقرة للعلاقة بعد الانسحاب.

