تتجه الأزمة السياسية في العراق إلى مرحلة أكثر حساسية مع تصاعد الحديث عن تحركات تهدف إلى إرباك الإجراءات التي يقودها رئيس الحكومة علي الزيدي، سواء في ملف حصر السلاح بيد الدولة أو في ملف مكافحة الفساد، وهما الملفان اللذان تحولا خلال الأيام الماضية إلى محور صراع سياسي وأمني داخل المشهد العراقي.
وبينما تصر الحكومة على المضي في حملة المداهمات والاعتقالات التي انطلقت تحت اسم "حملة الفجر"، تتحدث مصادر سياسية عن وجود مسار موازٍ يعمل بهدوء لاحتواء هذه الحملة وإضعاف أثرها، عبر أدوات قانونية وبرلمانية وإعلامية، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع المزاج الشعبي المؤيد لملاحقة الفساد وضبط السلاح خارج مؤسسات الدولة.
حملة الزيدي بين الدعم العلني والاعتراض الصامت
منذ انطلاق الإجراءات الأخيرة، ظهر في العراق مشهد سياسي مزدوج؛ فمن جهة صدرت مواقف دعم رسمية لحملة علي الزيدي، ومن جهة أخرى برزت مؤشرات على اعتراضات تجري خلف الكواليس، لا تستهدف مبدأ مكافحة الفساد أو حصر السلاح بشكل مباشر، بل تركز على طريقة تنفيذ الحملة وأدواتها والأطراف التي طالتها.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن الاعتراضات الحالية لا تُطرح بوصفها رفضاً للإصلاح، بل باعتبارها ملاحظات على آلية الاعتقال والمداهمات، وعلى الأساس القانوني الذي تستند إليه بعض الإجراءات.
وبهذا المعنى، تبدو المواجهة الدائرة حول الحملة أشبه بمحاولة لإعادة صياغة النقاش من سؤال “من هم المتهمون؟” إلى سؤال “كيف تُدار الحملة؟ ومن يقف خلفها؟”.
ما هي "الخطة الصامتة" لإفشال الحملة؟
وفق تسريبات ومتابعات سياسية متداولة في بغداد، فإن المسار المضاد لحملة الزيدي لا يقوم على إسقاطها علناً، بل على استنزافها تدريجياً عبر فتح ملفات موازية، والضغط باتجاه تشكيل لجان تحقيق، وإثارة شبهات قانونية حول بعض إجراءات القوة المنفذة لعمليات الدهم والاعتقال.
ويهدف هذا الأسلوب، بحسب قراءات سياسية، إلى تجنب الصدام مع الشارع الذي ينظر بإيجابية إلى أي تحرك يطال الفساد أو الجماعات المسلحة، وفي الوقت نفسه تحويل الحملة من أداة لملاحقة المتهمين إلى ملف دفاعي يضع القائمين عليها تحت الضغط والمساءلة.
ويستحضر هذا المشهد تجربة لجنة "أبو رغيف" التي شُكلت خلال عهد رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، قبل أن تواجه انتقادات واتهامات تتعلق بأساليب التحقيق، ما أدى في النهاية إلى تراجع دورها وإجهاضها سياسياً وقانونياً.
حملة الفجر..
من صدمة الدبابات إلى بداية الفتور
في 28 حزيران الماضي، أحدث علي الزيدي صدمة سياسية وأمنية بعدما ظهرت دبابات في المنطقة الخضراء تزامناً مع انطلاق حملة لملاحقة مسؤولين ونواب متهمين بالفساد، في مشهد غير مسبوق داخل بغداد.
وقد اعتبر مؤيدو الخطوة أنها رسالة حاسمة لإظهار جدية الدولة، فيما رأى خصومها أنها حملت أبعاداً رمزية خطيرة وأعادت إلى الأذهان مشاهد القوة العسكرية في الصراع السياسي.
لكن بعد نحو أسبوعين من انطلاق الحملة، بدأت تظهر ملامح فتور نسبي مقارنة بالاندفاعة الأولى.
فلم تُسجل حتى الآن عمليات واسعة لتسليم السلاح من الفصائل الكبرى، كما أن الحملة لم تواصل الوتيرة نفسها التي بدأت بها، ما فتح باب التساؤلات حول حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة وقدرتها على الاستمرار في النهج ذاته.
البرلمان يدخل على خط الاعتراض
التحركات المضادة لم تقتصر على الكواليس السياسية، بل بدأت تجد طريقها إلى البرلمان من خلال المطالبة بتشكيل لجان تحقيق في طريقة تنفيذ أوامر القبض على بعض النواب والمسؤولين.
وفي هذا السياق، برزت أصوات اعتبرت أن ما جرى خلال حملة الفجر تجاوز الشكل القانوني المعتاد في تنفيذ أوامر القبض، خاصة مع استخدام القوة العسكرية وظهور مشاهد أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية.
ويرى مراقبون أن فتح هذا المسار البرلماني لا يعني بالضرورة الدفاع عن المتهمين، لكنه قد يشكل أداة فعالة لإبطاء الحملة أو سحبها إلى مسار إجرائي طويل يستهلك زخمها السياسي والإعلامي.
ملف السلاح..
العقدة الأصعب أمام الحكومة
إلى جانب ملف الفساد، يواجه علي الزيدي تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في حصر السلاح بيد الدولة.
فحتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على استجابة الفصائل المسلحة الكبرى لخطاب تسليم السلاح أو إعادة تنظيم وضعها الأمني ضمن مؤسسات الدولة.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن هذا الملف يمثل جوهر الأزمة الحالية، لأن أي تقدم فيه سيمس مباشرة بنفوذ قوى نافذة تمتلك امتدادات سياسية وأمنية وعقائدية داخل العراق وخارجه.
ولهذا السبب، تبدو المواجهة في هذا الملف أكثر حساسية من مجرد حملة اعتقالات مرتبطة بالفساد.
كما أن حادثة تحليق طائرة مسيرة مجهولة فوق المنطقة الخضراء قبل أيام فُسرت على نطاق واسع باعتبارها رسالة تحذير مبكرة من أن الاقتراب من هذا الملف قد يفتح الباب أمام ردود أكثر خشونة.
ماذا يجري داخل الإطار التنسيقي؟
حتى الآن، لم يصدر عن قوى الإطار التنسيقي موقف معلن يرفض إجراءات علي الزيدي، بل إن البيانات الرسمية الصادرة عن بعض الاجتماعات والقيادات ذهبت باتجاه دعم الحكومة في مكافحة الفساد وضبط السلاح.
غير أن القراءة الأعمق للمشهد تشير إلى أن هذا الدعم لا يعكس بالضرورة وحدة موقف كاملة داخل البيت الشيعي.
فهناك، بحسب متابعين، تباين واضح بين الخطاب العلني والمواقف التي تُناقش في الاجتماعات المغلقة، حيث تُطرح تساؤلات حول حدود الحملة، والجهات التي تستهدفها، وما إذا كانت ستبقى ضمن الإطار القضائي أم تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية داخل السلطة.
هذا التردد مفهوم من زاوية سياسية؛ إذ يصعب على أي طرف أن يعلن رفضه العلني لمكافحة الفساد أو لحصر السلاح، لأن ذلك سيُفسر شعبياً على أنه دفاع عن الفاسدين أو عن الجماعات المسلحة.
لذلك، يجري نقل الاعتراض من مستوى المبدأ إلى مستوى التفاصيل والآليات.
تحذير مقتدى الصدر..
رسالة تتجاوز الدعم التقليدي
في خضم هذا المشهد، كان موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الأكثر لفتاً للانتباه.
فبدلاً من الاكتفاء بدعم عام للحملة، وجّه تحذيراً مباشراً من احتمال تعرض علي الزيدي لمحاولة اغتيال، داعياً إلى عدم المساس به.
هذا التحذير حمل أكثر من رسالة.
فمن جهة، أظهر أن الصدر يرى في الحملة خطوة تستحق الدعم، ومن جهة أخرى أوحى بأن الخطر لم يعد يقتصر على إفشال الإجراءات أو تطويقها سياسياً، بل قد يصل إلى استهداف رئيس الحكومة نفسه إذا اقترب من مناطق نفوذ حساسة.
كما أن دعوة الصدر أنصاره إلى تنظيم وقفات داعمة للزيدي تعكس وجود تقاطع سياسي يتجاوز لحظة التأييد الإعلامي، وقد يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع في المرحلة المقبلة، وهو أمر يثير قلق بعض الأوساط داخل الإطار التنسيقي التي تخشى من عودة الصدر إلى التأثير في السلطة من بوابة غير مباشرة.
المالكي والحكيم..
دعم الهدف والاختلاف على الوسائل
المواقف داخل البيت الشيعي لم تكن متطابقة.
فقد بدا رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي من أكثر المؤيدين لحملة الفجر، حتى في أكثر تفاصيلها إثارة للجدل، وعلى رأسها استخدام الدبابات داخل المنطقة الخضراء.
المالكي اعتبر أن استعراض القوة كان ضرورياً لإرسال رسالة جدية عن هيبة الدولة وقدرتها على تنفيذ القانون.
في المقابل، اختار عمار الحكيم مقاربة مختلفة، إذ لم يعترض على مبدأ ملاحقة الفساد، لكنه انتقد الوسائل المستخدمة، معتبراً أن تنفيذ أوامر القبض بحق شخصيات سياسية لا يحتاج إلى مظاهر عسكرية ثقيلة، وأن الأصل هو احترام قرينة البراءة حتى تثبت الإدانة قضائياً.
هذا التباين يكشف أن الخلاف لا يدور فقط حول الحملة نفسها، بل حول شكل الدولة التي يريدها كل طرف، وحدود استخدام القوة في إدارة النزاعات السياسية والملفات القضائية.
الحملة في قلب صراع المالكي والسوداني
خلف المشهد الأمني والقانوني، تظهر بوضوح ملامح صراع سياسي قديم يتجدد بثوب جديد، ويتمثل في التنافس بين نوري المالكي ورئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.
فالمعطيات السياسية تشير إلى أن جزءاً مهماً من حملة الفجر أصاب شخصيات محسوبة على فريق السوداني، وهو ما دفع كثيرين إلى قراءة ما يجري بوصفه امتداداً لصراع النفوذ داخل الساحة الشيعية، أكثر من كونه مجرد حملة قانونية منفصلة عن الحسابات السياسية.
وتعزز هذه القراءة مؤشرات تتعلق بتراجع كتلة السوداني البرلمانية وانقسامها، فضلاً عن ورود أسماء من ائتلافه ضمن قوائم الموقوفين أو المستهدفين بالتحقيق.
وفي المقابل، يتمسك أنصار السوداني بضرورة توسيع أي حملة فساد لتشمل كل الحكومات منذ عام 2003، وليس مرحلة بعينها، في إشارة واضحة إلى ضرورة فتح ملفات حكومتي المالكي أيضاً.
هل تتحول مكافحة الفساد إلى ساحة تصفية حسابات؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة في العراق اليوم.
فالحملات التي تنطلق تحت عنوان الإصلاح كثيراً ما تجد نفسها في قلب صراع المصالح والخصومات السياسية، وهو ما يهدد بتحويلها من مسار قضائي إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ أو تصفية الحسابات بين الخصوم.
وبينما يؤكد فريق السوداني أن حكومته اتخذت إجراءات لتقليص الفساد، من بينها الرقابة على التحويلات المالية وإحالة مسؤولين إلى النزاهة وإجراءات أتمتة النظام المالي، يرى خصومه أن هذه الخطوات لم تكن كافية وأن إرث الفساد تضخم خلال السنوات الماضية إلى مستويات غير مسبوقة.
في المقابل، يرفض المالكي الإيحاء بأن عدم ظهور شخصيات بارزة من دائرته السياسية في الحملة الحالية يعني وجود حماية سياسية لها، ويعتبر أن ذلك مرتبط بطبيعة الملفات التي يجري التحقيق فيها حالياً.
لكن هذا التفسير لا يلقى قبولاً كاملاً لدى خصومه أو لدى عدد من الباحثين والمراقبين.
أرقام الفساد في العراق..
ملف مفتوح منذ 2003
إحدى أكثر النقاط حساسية في السجال الحالي تتعلق بحجم الأموال التي فقدها العراق خلال السنوات الماضية بسبب الفساد وسوء الإدارة.
فالتقديرات المتداولة تختلف، لكن بعضها يتحدث عن مئات المليارات من الدولارات التي تبخرت بين الهدر المالي، وغسل الأموال، وغياب الحسابات الختامية، وضعف الرقابة.
وتذهب بعض القراءات إلى أن أي حملة جادة لاستعادة الأموال المنهوبة أو محاسبة المتورطين لا يمكن أن تتجاوز الحكومات السابقة، بما فيها حكومات نوري المالكي، كما لا يمكن أن تقتصر على خصوم سياسيين من مرحلة واحدة.
ولهذا، فإن معيار نجاح الحملة لن يكون فقط في عدد الاعتقالات أو الضجة الإعلامية التي ترافقها، بل في قدرتها على الوصول إلى الملفات الكبرى من دون انتقائية أو انتقام سياسي.
إلى أين تتجه الأزمة؟
حتى الآن، لا يمكن الجزم بما إذا كانت حملة علي الزيدي ستنجح في الحفاظ على زخمها الأول، أم أنها ستدخل تدريجياً في دوامة الاعتراضات القانونية والتجاذبات السياسية التي أفشلت تجارب سابقة.
لكن المؤكد أن ما يجري في العراق تجاوز كونه حملة أمنية عابرة، وأصبح جزءاً من معركة أوسع على شكل السلطة ومراكز النفوذ وحدود الدولة.
فإذا تمكنت الحكومة من تحويل الحملة إلى مسار قضائي متماسك وعابر للاصطفافات، فقد تشكل بداية مختلفة في التعامل مع الفساد والسلاح المنفلت.
أما إذا خضعت الحملة لمنطق التوازنات والانتقائية، فإنها قد تنتهي مثل كثير من المحاولات السابقة: ضجيج كبير، ثم تسوية سياسية هادئة.
وفي كل الأحوال، فإن العراق يقف اليوم أمام اختبار جديد؛ اختبار يتعلق بقدرة الدولة على فرض القانون، وبقدرة القوى السياسية على القبول بأن مكافحة الفساد وحصر السلاح ليستا مجرد شعارات للاستهلاك، بل مساراً قد يطال الجميع من دون استثناء.

